مجموعة مؤلفين
357
أهل البيت في مصر
في إمرته ، وشدّة في أخذ الناس بالحدود وحرمات اللّه ، لا تأخذه رأفة في دين اللّه ، ولا توقفه رحمة عن إقامة حدوده » . والأمثلة على حزم سيدي حسن الأنور كثيرة : فلقد كان للحسن شاعر مشهور من أصفيائه ومواليه يسمّى ابن هرمة ، وله معه أحاديث ظريفة وذكريات ممتعة ، فلمّا صار الحسن واليا على المدينة المنوّرة ، جاء بهذا الشاعر وقال له بحزم ، بعد أن سمع أنّه يشرب الخمر : أنا لست كمن باعك دينه رجاء مدحك ، أو خوفا من ذمّك ، فقد رزقني اللّه عزّ وجل بولادة نبيه الممادح ، وجنّبني المقابح ، وأن من حقّه عليّ ألّا أغضى عن تقصير في حق ربي . وأنا أقسم باللّه لئن أوتيت بك سكرانا لأضربنّك حدّا للخمر وحدّا للسكر ، ولأزيد لموضع حرمتك بي ، فليكن تركك لها للّه تعالى ، تعن عليها ، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم « 1 » . وشاعر آخر اسمه ورد بن عاصم ، جاءت قصّته مع الإمام حسن الأنور في عيون الأخبار « 2 » . هذا الشاعر هجا الحسن أثناء ولايته للمدينة لتشدّده في إقامة الحدود ، فلمّا سمع الحسن هجاءه طلب الشاعر ، لكنّه خاف وهرب ، إلى أن مثل بين يديه ، واعتذر للحسن بتقصيره ، وهنا يعفو عنه ويصله بمال . ومع الحزم كان العطف ، فقد جيء إليه بشاب ذي حسب ونسب هو سكران ، فقال الشاب : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا أعود ، وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وآله : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » « 3 » ، وأنا ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وكان أبي مع أبيك . فقال الحسن للشاب : صدقت ، هل أنت عائد ؟ قال الشاب : لا واللّه . فأقاله الحسن ، وأمر له بخمسين دينارا ، وكان الحسن يبرّه دائما « 4 » .
--> ( 1 ) . خطط المقريزي 4 : 326 . ( 2 ) . عيون الأخبار 2 : 161 . ( 3 ) . رواه الإمام أحمد في المسند 6 : 181 ، وأبو داود في السنن 4 : 33 حديث 4375 . ( 4 ) . راجع خطط المقريزي 4 : 325 .